محمد بن جرير الطبري

13

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

وشر الطالبين ولا تكنه * يقاتل عمه الرؤوف الرحيما وهي قراءة عامة قراء أهل الكوفة . والأَخرى رؤوف " على مثال " فعول " ، وهي قراءة عامة قراء المدينة . و " رئف " ، وهي لغة غطان ، على مثال " فعل " مثل " حذر " . و " رأف " على مثال " فعل " بجزم العين ، وهي لغة لبني أسد ، والقراءة على أحد الوجهين الأَولين . القول في تأويل قوله تعالى : قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ يعني بذلك جل ثناؤه : قد نرى يا محمد نحن تقلب وجهك في السماء . ويعني بالتقلب : التحول والتصرف . ويعني بقوله : فِي السَّماءِ نحو السماء وقبلها . وإنما قيل له ذلك صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا ، لأَنه كان قبل تحويل قبلته من بيت المقدس إلى الكعبة يرفع بصره إلى السماء ينتظر من الله جل ثناؤه أمره بالتحويل نحو الكعبة . كما : حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ قال : كان نبي الله صلى الله عليه وسلم يقلب وجهه في السماء يحب أن يصرفه الله عز وجل إلى الكعبة حتى صرفه الله إليها . حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فكان نبي الله صلى الله عليه وسلم يصلي نحو بيت المقدس ، يهوى ويشتهي القبلة نحو البيت الحرام ، فوجهه الله جل ثناؤه لقبلة كان يهواها ويشتهيها . حدثنا المثنى ، قال : حدثني إسحاق ، قال : حدثني ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع في قوله : قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ يقول نظرك في السماء . وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقلب وجهه في الصلاة وهو يصلي نحو بيت المقدس ، وكان يهوى قبلة البيت الحرام ، فولاه الله قبلة كان يهواها . حدثني موسى بن هارون ، قال : ثنا عمرو بن حماد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قال : كان الناس يصلون قبل بيت المقدس ، فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة على رأس ثمانية عشر شهرا من مهاجره ، كان إذا صلى رفع رأسه إلى السماء ينظر ما يؤمر ، وكان يصلي قبل بيت المقدس . فنسختها الكعبة . فكان النبي صلى الله عليه وسلم يحب أن يصلي قبل الكعبة فأنزل الله جل ثناؤه : قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ الآية ثم اختلف في السبب الذي من أجله كان يهوى قبلة الكعبة . قال بعضهم : كره قبلة بيت المقدس ، من أجل أن اليهود قالوا . يتبع قبلتنا ويخالفنا في ديننا . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، قال : قالت اليهود : يخالفنا محمد ، ويتبع قبلتنا اليهود فكان يدعو الله جل ثناؤه ، ويستفرض للقبلة ، فنزلت : قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وانقطع قول يهود : يخالفنا ويتيع قبلتنا في صلاة الظهر . فجعل الرجال مكان النساء ، والنساء مكان الرجال . حدثني يونس ، قال ، أخبرنا ابن وهب ، قال : سمعته ، يعني ابن زيد يقول : قال الله تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم . فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هؤلاء قوم يهود يستقبلون بيتا من بيوت الله " ل بيت المقدس " ولو أنا استقبلناه " ، فاستقبله النبي صلى الله عليه وسلم ستة عشر شهرا ، فبلغه أن يهود تقول : والله ما درى محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه محمد صلى الله عليه وسلم أين قبلتهم حتى هديناهم . فكره ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، ورفع وجهه إلى السماء ، فقال الله جل ثناؤه : قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ الآية . وقال آخرون : بل كان يهوى ذلك من أجل أنه كان قبلة أبيه إبراهيم عليه السلام . ذكر من قال ذلك : حدثني المثنى ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثنا معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة وكان أكثر أهلها اليهود أمره الله عز وجل أن يستقيل بيت المقدس ، ففرحت اليهود ، فاستقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة عشر شهرا فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب قبله إبراهيم ، فكان يدعو وينظر إلى السماء ، فأنزل الله عز وجل : قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ الآية . فأما قوله : فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فإنه يعني : فلنصرفنك عن بيت المقدس إلى قبلة ترضاها ، تهواها وتحبها . وأما قوله : فَوَلِّ وَجْهَكَ يعني اصرف وجهك وحوله . وقوله : شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ يعني بالشطر : النحو والقصد والتلقاء ، كما قال الهذلي :